العَلمانيّة ليست إلحاداً وكفراً ! - شهباء شهاب
العَلمانيّة ليست إلحاداً وكفراً !
شهباء شهاب
كاتبة من العراق
مِن المُؤسِف حقاً أن يظن كثير من الناس أن العَلمانيّة
ماهي الا كفر بالدين وتحقير له ، أو أنها إنكار الله والتجديف عليه . ولذلك تراهم
يرتعبون منها ، ويَنفِرون من مجرد ذكرها ، وكأنك تتلو عليهم آيات من الكفر
والإلحاد . وهذا فهم ساذج ومغلوط لمفهوم العَلمانيّة . وليس مصادفة أبدا أن تنتشر
هذه الفكرة المغلوطة لمفهوم العَلمانيّة في وعي أفراد المجتمع وتتغلغل فيه . إنّ
هذه الفكرة المغلوطة من قام ببثها ونشرها بين أفراد المجتمع هم من يسمون أنفسهم
برجال دين ليبثوا في نفوس أفراد المجتمع الرعب من العَلمانيّة والهلع منها ،
ويوهمونهم بأنها صورة من صور الإلحاد وإنكار الإله ، أو شكل من أشكال الكفر بالدين
، وإنكاره ، وهجره ، والبعد عنه . وهم بذلك يرمون الى إلقاء شباك المكر والحيلة
لاصطياد السذج من أفراد المجتمع ، وترويعهم من العَلمانيّة ، وتحذيرهم منها ،
وتشكيكهم في نوايا من يدعون لها ، أو من يحملون لواءها .
والهدف من ذلك هو خلق مجتمع معادي للعَلمانيّة ، مرتاب
منها ، مرتعب من نواياها ، وأهدافها لتخلو الساحة لكهنة الدين ليؤسسوا بذلك حكومة
دينية ، تبدو في ظاهرها ممثلة للدين ، ناطقة باسمه ، رافعة لرايته ، مرتدية
لجلبابه وعباءته ، صادحة بشعاراته ، ومتمرغة بألوانه . فاذا اقتربت لتتفحص باطن
هذه الحكومة ، لم تجد من الدين لا لونه النقي المشرق الوهاج ، ولا طعمه الحلو
العطر ، ولا ريحه التي تشرح الصدور وتريحها ، ولا صوته الذي يملأ الحواس خشوعا
مُبلسِماً للجروح ، ومُطفِئً للحرائق .
فهذه الدولة ، المسماة بالدينية ، هي في حقيقة الامر دولة تتخذ من الدين لباساً
وعباءة تكسب بهما أفراد المجتمع ، وتُنَّظِمهم في صفوفها كأفراد موالين لها ،
ولسلطتها عليهم . ويكون الهدف المعلن لهذه الدولة الدينية هو خدمة الدين ، ونشره ،
ورفع هامته ، ومحاربة أعداءه . وتختفي الأهداف السرية غير المعلنة لهذه الدولة تحت
الجلد السميك للغلاف المعلن ، الذي لا يمكنك أن تراه حتى تقترب اكثر وتحكّ بأظفرك
هذا الجلد السميك لترى الأهداف الخفية المدفونة تحت هذا الجلد البراق اللامع .
وهذه الأهداف المخفية تتراوح بين السيطرة على موارد المجتمع ، والتحكم بها ،
واستغلالها لتعزيز سلطة الكهنة ، وتضخيم ثرواتهم ونفوذهم ، وتوسيع رقعة هذه الدولة
، وتعلية أسوارها ، وحمايتها ، وتكريس نفوذها وتقويته ، ومحاولة مدَّه وتصديره
لأراض أخرى مجاورة .
المجتمع العلماني لا يطرد الدين من بيته ، ولا يوصد
الأبواب دونه . بل بالعكس ، يتربع الدين في المجتمع العلماني على مكانه المنطقي
والشرعي المعروف . فالعَلمانيّة لا تتعارض مع الانتماء لدين معين ، لأن الدين ليس
نقيضا للعلمانية ، فنقيض العلمانية ليس الدين ، بل هو حكم الكهنة ، أو ما يسمى
برجال الدين ، أو الحكومة الدينية . إن أهم ما تمتاز به هذه الدولة الدينية ، هو
أنها دولة قائمة على العنف والقمع ، تخنق أفرادها خنقاً ، وتكتم أنفاسهم ، فلا
يسود فيها إلاّ لون واحد فقط ، وهو لون الدين الحاكم . فهي لا تعترف بأيّ دين آخر
، ولا يمكنها أن ترى ، إلاّ دينها باعتباره هو الدين الحق الصحيح ، والحقيقة
المطلقة التي لابدَّ على جميع العالم إتباعها مرغماً .
يُعَّينُ الكهنة في هذه الدولة الدينية أنفسهم اوصياء
على أفراد المجتمع ، فيلاحقونهم ، ويفرضون إملاءاتهم في مأكلهم ، ومشربهم ، والكتب
التي يقرؤونها ، والكتب التي يتجنبونها ، وأي فلم يشاهدون ، وعن أيها يحجمون ،
وماذا يكرهون ، وماذا يحبون . ويعطي هؤلاء الكهنة لأنفسهم الحق في مراقبة الناس ،
وملاحقتهم في طعامهم ، وشرابهم ، ولباسهم ، وعلاقاتهم ، وكلِّ شؤونهم . فيشعر
الفرد بأنه مقيّد ، محكوم في حركاته ، وسكناته ، ومعيشته ، في أقواله ، وأفعاله ،
ومشاعره . وهكذا ، يقومون بتحويل المجتمع برمته إلى مجتمع متواطئٍ مع الكهنة في
جرائمهم الهائلة ، التي يرتكبونها ضد الآخرين من ديانات ومعتقدات أخرى ، أو ضد
الفئات المستضعفة كالنساء والأطفال . وهذا التواطُؤ يكون في شكل صمتٍ مطبقٍ تجاه
الفظائع الوحشية التي يرتكبها الكهنة ، الذين يقومون بوضع تعريفات للأخلاق ،
والآداب ، والسلوكيات المقبولة والمَرْفُوضة . فيعاقبون الأفراد المخالفين
لتعريفاتهم الموضوعة ، أو الأفراد الذين يخرقون مبادئ الدين الذي خلقته الدولة
الدينية ، عقاباً قد يكون على مجرد الظَّنِّ والشُّبْهَة . فدين الدولة الدينية
دينٌ مخلوقٌ ، لا يشبه الدين الأصلي الذي نبت وأنبثق منه ، إلاّ بشكلياتٍ
مُلَّفَقةٍ ، ومُزَوَرةٍ ، وخادعةٍ للأبصار والعقول . وهكذا يتقمص الكهنة دور المُشَرِّع ، ودور الشُرّطي ، ودور القاضي ، ودور الجلاد في
آنٍ واحد .
إنَّ الدعوة إلى عَلمَنة المجتمع لا تعني خلقِ مجتمعٍ
ملحدٍ أو كافرٍ بالدين ، ولا تهدف إلى نشرِ الإلحاد ، والزندقة ، والفجور ،
والموبقات في المجتمع ، وإنّما تعني خلقِ إطارٍ مُجْتَمَعِّي يؤسس لعدالةٍ
اجتماعية ، يُمنَحُ الفرد بموجبه خَياراً حراً في حياته ، في كلِّ المجالات
الدينية ، والأسرية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية . فالعلمانّي قد يكون
فرداً مُتديناً ، ولكنَّه يؤمن بأنّ علاقته بالله هي علاقةً شخصيةً ، وأنَّ الدين
ينبغي أن يبقى بعيداً عن الشأن العام ، وعن إدارة الدولة ، وعن تشكيل الحكومة ،
وعن التعليم وبرامجه ، وأن لا يكون الدين أساساً لتقييم الأفراد ، والمفاضلة ، أو
التمييز بينهم . وهكذا ، فإنَّ عَلمَنة المجتمع هي عمليةٌ اجتماعيةٌ تهدف إلى جعل
الدين شأناً شخصياً بحتاً ، وليس شأناً عاماً .
ولكي يكون المجتمع ديموقراطياً ، لابدَّ أن يكون قبلها
مجتمعاً علمانياً . ففي المجتمع العَلمانيّ لا يكون الدين ، وطقوسه ، واحتفالاته
الشغل الشاغل لأفراده ، وهَمّهم الذي يسكنهم ولا يفارقهم ، بل ينتقل الاهتمام إلى
إحياء سلطة العقل بدلاً من سلطة العاطفة ، ويبدأ المجتمع بالتركيز على العلم ،
والتكنلوجيا ، والتنميّة ، والتطور ، ونشر المعرفة ، والثقافة ، وحل الأزمات ،
والمشاكل الحياتية التي تواجه المجتمع . إنّ علمنة المجتمع ضرورية
لتعزيز قيم الديموقراطية والعدالة فيه ، ولحفظ حقوق المعتنقين لجميع الأديان والمذاهب
، ولضمان حق الفرد في إظهار معتقده الديني ، وممارسة طقوسه الدينية ، بما لا يصطدم
بحرية إفراد المجتمع الآخرين ، ولا يعتدي عليها ، وبما لا يؤثر على الدولة ،
وأسلوب الحكم فيها ، وطريقة إدارتها ، وتمشية شؤونها . فيصبح المجتمع ملكاً لجميع
أبنائه ، المؤمن منهم والملحد ، المسلم ، والمسيحي ، واليهودي ، واليزيدي ، السنيّ
، والشيعيّ ، المرأة ، والرجل ، البالغ ، والطفل ، الصحيح ، والمريض ، السويّ ،
والمُنحَرِف ، وغيرها من التصنيفات والخانات
. عندها فقط يصبح جميع أفراد المجتمع سواسية أمام القانون ، يتمتعون بنفس الحقوق ،
وتقع عليهم نفس الواجبات ، دون أن يكون للانتماء الديني ، أو السياسي ، أو الحزبي
أيّة ميزة ، أو فضيلة . وبهذا الشكل نرى أنّ العَلمانيّة تناصر حقوق الانسان
المتعارف عليها دولياً ، وتغَلَّبَها على أيّ دينٍ ، أو عقيدةٍ .

ليست هناك تعليقات