الحلم /قصة قصيرة
بركات الساير العنزي
المهاجر ( 2) قصة قصيرة -الحلم -دار النشر -دار يبلاس- الكويت
--------
عرفت المدرسة عبد الرحمن كطالب من أبرز الطلاب , تفوق على جميع أقرانه يحصل على الهدايا من مدير المدرسة ومن معلميه الذين أحبوه لاجتهاده وأدبه .
ذات يوم رجع من المدرسة وقال لأمه : ماما بعد أن أكبر أريد أن أسافر .أسافر إلى بلد بعيد .
نظرت إليه بغضب إلى أين تريد أن تسافر يا عبد الرحمن ؟ قال أسافر إلى أي مكان .. أعمل وأساعدكم . ردت عليه خديجة : لانريد شيئا ياعبد الرحمن نحن بخير والحمد لله , نريد أن تبقى معنا
إياك وهذا التفكير . أخذت الأم تشعر بالقلق كلما حدثها عبد الرحمن عن السفر.
* * *
.... الفرح والسرور يعمان البيت بعد نجاح عبد الرحمن في الثانوية العامة وقد حصل على أعلى مجموع في مدرسته .. شعر بالغصة تملأ نفسه بعد النجاح .. هل سيكمل تعليمه في الجامعة ؟
من سيقدم له مصروف الجامعة ؟ أبوه لا يستطيع أن يقدم له ولأخوته ..
فكر عبد الرحمن ملياً , الطريق طويل والمشوار صعب … سيطرت على نفسه فكرة السفر
لم لا يسافر إلى اليونان ؟ هناك الكثير من أبناء مدينته يعملون هناك ويقدمون لأهلهم.
عزم عبد الرحمن على السفر وأصر على رأيه حاولت أمه أن تقنعه أن ترده ولكن ذلك كان مستحيلا… فقد وجدت نفسها عاجزة عن إقناع ولدها .هذه حال الأمهات في قريتهم , يربون الأولاد ويكبرون في أعمارهم ويعظم الحب في نفوس أمهاتهم .. ثم يفرون كالعصافير.
... جميع الأهل والأقارب في وداع عبد الرحمن , الكل في بكاء وحزن , تمتمت خديجة في نفسها: نربي الأولاد ثم يطيرون من أيدينا ما ذا أفعل ليتني أستطيع منعه .. يا ليتهم يبقون صغارا ..
عانق عبد الرحمن الجميع فردا فردا ثم عانق أبويه في الأخير تشجع وحبس دمعات في عينيه رحمة بوالديه ، لوح بيديه وصعد السيارة مستعجلا خشي من السقوط عواطفه في ذروة الهزيمة .
رفعت خديجة يديها إلى السماء وهي تدعو له ( ربي وفقه ويسر أمره واحفظه في دربه وبلغه أمله)
ثم بكت حتى ملت من البكاء . أما أبوه فقد خرج من المنزل ليخفي عواطفه عن أولاده.
..على عبد الرحمن أن يسافر إلى تركيا ثم يدخل اليونان عن طريق التهريب .. كانت رحلة شاقة ومتعبة استغرقت شهرا كاملا حتى وضع رحاله في اليونان ..
* * *
أصبحت الرسائل شيئا عظيما في حياة الأسرة . غدت الرسالة من روح عبد الرحمن تقرأ خديجة رسالته كل يوم وتضع الرسالة على صدرها مثلما ضمته في طفولته .
كلما شعرت بالشوق إليه , جاءت بصوره ورسائله واستعرضتها واحدة بعد الأخرى حتى يسأم البكاء منها .
-يا خديجة اصبري ابننا أصبح رجلا وهو أدرى بنفسه ومصلحته لم يعد طفلا حتى تخافي عليه
قللي من حزنك وعواطفك . أنا مثلك في العواطف ولكن أدعو له بالتوفيق .
عمل عبد الرحمن في قطاف العنب مرة وفي محطة للبنزين مرة أخرى لا يقف عن العمل أبدا
يشتغل في أي مكان ..
صدر عبد الله لا يتسع لفرحه عندما استلم الأب رسالة من عبد الرحمن ومبلغا من المال لابأس به
- الله يوفقك ياعبد الرحمن فقد فككت ضيقنا فرج الله عنك كل هم وغم أخذ الوالد المال وأعطاه لخديجة قائلا : خذي ياخديجة وانظري لحاجاتك أنت والأولاد .
..السنوات تمر بصعوبة على الوالدين والأخوة والأخوات ، الشوق كبير لعبد الرحمن لكن عبد الرحمن لا يستطيع المجيء وزيارة أهله لأنه لم يحصل على إقامة . فالأموال القليلة التي يبعثها تكفي لسد حاجات العائلة مما يواسي حزنهم.
الحصول على إقامة يتطلب الزواج من يونانية ، واليونانية تطلب مبلغا كبيرا أكثر من خمسة آلاف دولار.. بقي عبد الرحمن يجاهد ويكافح في العمل حتى حصل على إقامة بعد سبع سنوات .
بعد سبع سنوات زار عبد الرحمن أهله , الفرحة في البيت لا توصف المشاعر فياضة في الصدور
الدنيا كلها لا تتسع لفرح خديجة ، لا تعرف كيف تعبر عن فرحها ظنت أن عبد الرحمن رجع ليستقر في قريته, ملأت نفسها بالأمنيات والأحلام ، قالت في نفسها لن ادعه يسافر بعد اليوم .
حضر عبد الرحمن عرس أخيه , وعرس أخته .شارك في الفرح والتقى بجميع الأقارب في العرس
- تزوج يا عبد الرحمن اختر من تشاء .. انظر إلى البنات وأنا أزوجك ، رفض عبد الرحمن الزواج لأنه سيبقى مهاجرا في الحياة يطير من مكان لآخر ..لا يريد أن يترك قلبا معذبا بعد رحيله.
بعد ثلاثة شهور أمضاها عبد الرحمن في ربوع وطنه عاد إلى مهجره ليواصل حياته وعمله فقد تعود على الاغتراب والعمل …
-توسلت إليه والدته أن يبقى فقد تحسنت أحولهم ليبق وليعمل في وطنه .. ولكنه آثر الهجرة.
سافر عبد الرحمن وتجددت مشاعر الحزن من جديد، ، لن يحتاجوا إلا لوجوده .. ولكن عبد الرحمن ،رفض البقاء وتذرع بعمله هناك وطمأنه بالعودة في أقرب فرصة ولن ينساهم أبد .قبَّل رأسها وضمها إلى صدره طويلا وبكى مثل الأطفال وركب السيارة ملوحا بيديه والدموع كساقية الماء
... بقيت الرسائل تتوالى على الأهل مع بعض المبالغ المالية لمساعدة أهله , وكانت الرسائل أهم شيء في حياة الأسرة . لا تنام خديجة قبل أن تسمع كلمات عبد الرحمن في الرسالة .. سمت كل ولد بكر عند أولادها وبناتها عبد الرحمن . ليبقى عبد الرحمن في ذاكرة كل بيت , وفي إحساس كل قلب .
.. أصبحت الرسائل تقل سنة بعد سنة وبعد خمس سنوات انقطعت أخبار عبد الرحمن ...
كانت الأم تسأل كل قادم من اليونان أو قبرص أو إيطاليا أو ألمانيا لأن الروايات تعددت حول مكانه
وهجرته , الأخبار تذكر إنه راح يهاجر من بلد إلى بلد كما يقال .
.. لازالت أم عبد الرحمن تحمل باكورتها وقد انحنى ظهرها، تقف على الطريق تراقب السيارات لعل عبد الرحمن ينزل من إحداها أمنيتها الوحيدة في الحياة أن ترى عبد الرحمن قبل وفاتها.
التف الجميع حول الأم التي تصارع الموت ومن رمق أخير وهي تنطق الشهادتين
- أحملكم أمانة يا أولاد إن عاد عبد الرحمن لا تدعوه يسافر.... وأمانة أخرى لا تدعوا أولادكم يهاجرون ، مشى جميع أهل القرية وراء نعش أم عبد الرحمن ... يرحمك الله يا أم عبد الرحمن
... ليت الأولاد يبقون صغارا ولا يهاجرون . هذه أسراب السنونو تعود كل عام وعبد الرحمن لم يعد . سيبقى عبد الرحمن في قلوب الجميع ....
أ / بركات لافي الساير العنزي
المهاجر ( 2) قصة قصيرة -الحلم -دار النشر -دار يبلاس- الكويت
--------
عرفت المدرسة عبد الرحمن كطالب من أبرز الطلاب , تفوق على جميع أقرانه يحصل على الهدايا من مدير المدرسة ومن معلميه الذين أحبوه لاجتهاده وأدبه .
ذات يوم رجع من المدرسة وقال لأمه : ماما بعد أن أكبر أريد أن أسافر .أسافر إلى بلد بعيد .
نظرت إليه بغضب إلى أين تريد أن تسافر يا عبد الرحمن ؟ قال أسافر إلى أي مكان .. أعمل وأساعدكم . ردت عليه خديجة : لانريد شيئا ياعبد الرحمن نحن بخير والحمد لله , نريد أن تبقى معنا
إياك وهذا التفكير . أخذت الأم تشعر بالقلق كلما حدثها عبد الرحمن عن السفر.
* * *
.... الفرح والسرور يعمان البيت بعد نجاح عبد الرحمن في الثانوية العامة وقد حصل على أعلى مجموع في مدرسته .. شعر بالغصة تملأ نفسه بعد النجاح .. هل سيكمل تعليمه في الجامعة ؟
من سيقدم له مصروف الجامعة ؟ أبوه لا يستطيع أن يقدم له ولأخوته ..
فكر عبد الرحمن ملياً , الطريق طويل والمشوار صعب … سيطرت على نفسه فكرة السفر
لم لا يسافر إلى اليونان ؟ هناك الكثير من أبناء مدينته يعملون هناك ويقدمون لأهلهم.
عزم عبد الرحمن على السفر وأصر على رأيه حاولت أمه أن تقنعه أن ترده ولكن ذلك كان مستحيلا… فقد وجدت نفسها عاجزة عن إقناع ولدها .هذه حال الأمهات في قريتهم , يربون الأولاد ويكبرون في أعمارهم ويعظم الحب في نفوس أمهاتهم .. ثم يفرون كالعصافير.
... جميع الأهل والأقارب في وداع عبد الرحمن , الكل في بكاء وحزن , تمتمت خديجة في نفسها: نربي الأولاد ثم يطيرون من أيدينا ما ذا أفعل ليتني أستطيع منعه .. يا ليتهم يبقون صغارا ..
عانق عبد الرحمن الجميع فردا فردا ثم عانق أبويه في الأخير تشجع وحبس دمعات في عينيه رحمة بوالديه ، لوح بيديه وصعد السيارة مستعجلا خشي من السقوط عواطفه في ذروة الهزيمة .
رفعت خديجة يديها إلى السماء وهي تدعو له ( ربي وفقه ويسر أمره واحفظه في دربه وبلغه أمله)
ثم بكت حتى ملت من البكاء . أما أبوه فقد خرج من المنزل ليخفي عواطفه عن أولاده.
..على عبد الرحمن أن يسافر إلى تركيا ثم يدخل اليونان عن طريق التهريب .. كانت رحلة شاقة ومتعبة استغرقت شهرا كاملا حتى وضع رحاله في اليونان ..
* * *
أصبحت الرسائل شيئا عظيما في حياة الأسرة . غدت الرسالة من روح عبد الرحمن تقرأ خديجة رسالته كل يوم وتضع الرسالة على صدرها مثلما ضمته في طفولته .
كلما شعرت بالشوق إليه , جاءت بصوره ورسائله واستعرضتها واحدة بعد الأخرى حتى يسأم البكاء منها .
-يا خديجة اصبري ابننا أصبح رجلا وهو أدرى بنفسه ومصلحته لم يعد طفلا حتى تخافي عليه
قللي من حزنك وعواطفك . أنا مثلك في العواطف ولكن أدعو له بالتوفيق .
عمل عبد الرحمن في قطاف العنب مرة وفي محطة للبنزين مرة أخرى لا يقف عن العمل أبدا
يشتغل في أي مكان ..
صدر عبد الله لا يتسع لفرحه عندما استلم الأب رسالة من عبد الرحمن ومبلغا من المال لابأس به
- الله يوفقك ياعبد الرحمن فقد فككت ضيقنا فرج الله عنك كل هم وغم أخذ الوالد المال وأعطاه لخديجة قائلا : خذي ياخديجة وانظري لحاجاتك أنت والأولاد .
..السنوات تمر بصعوبة على الوالدين والأخوة والأخوات ، الشوق كبير لعبد الرحمن لكن عبد الرحمن لا يستطيع المجيء وزيارة أهله لأنه لم يحصل على إقامة . فالأموال القليلة التي يبعثها تكفي لسد حاجات العائلة مما يواسي حزنهم.
الحصول على إقامة يتطلب الزواج من يونانية ، واليونانية تطلب مبلغا كبيرا أكثر من خمسة آلاف دولار.. بقي عبد الرحمن يجاهد ويكافح في العمل حتى حصل على إقامة بعد سبع سنوات .
بعد سبع سنوات زار عبد الرحمن أهله , الفرحة في البيت لا توصف المشاعر فياضة في الصدور
الدنيا كلها لا تتسع لفرح خديجة ، لا تعرف كيف تعبر عن فرحها ظنت أن عبد الرحمن رجع ليستقر في قريته, ملأت نفسها بالأمنيات والأحلام ، قالت في نفسها لن ادعه يسافر بعد اليوم .
حضر عبد الرحمن عرس أخيه , وعرس أخته .شارك في الفرح والتقى بجميع الأقارب في العرس
- تزوج يا عبد الرحمن اختر من تشاء .. انظر إلى البنات وأنا أزوجك ، رفض عبد الرحمن الزواج لأنه سيبقى مهاجرا في الحياة يطير من مكان لآخر ..لا يريد أن يترك قلبا معذبا بعد رحيله.
بعد ثلاثة شهور أمضاها عبد الرحمن في ربوع وطنه عاد إلى مهجره ليواصل حياته وعمله فقد تعود على الاغتراب والعمل …
-توسلت إليه والدته أن يبقى فقد تحسنت أحولهم ليبق وليعمل في وطنه .. ولكنه آثر الهجرة.
سافر عبد الرحمن وتجددت مشاعر الحزن من جديد، ، لن يحتاجوا إلا لوجوده .. ولكن عبد الرحمن ،رفض البقاء وتذرع بعمله هناك وطمأنه بالعودة في أقرب فرصة ولن ينساهم أبد .قبَّل رأسها وضمها إلى صدره طويلا وبكى مثل الأطفال وركب السيارة ملوحا بيديه والدموع كساقية الماء
... بقيت الرسائل تتوالى على الأهل مع بعض المبالغ المالية لمساعدة أهله , وكانت الرسائل أهم شيء في حياة الأسرة . لا تنام خديجة قبل أن تسمع كلمات عبد الرحمن في الرسالة .. سمت كل ولد بكر عند أولادها وبناتها عبد الرحمن . ليبقى عبد الرحمن في ذاكرة كل بيت , وفي إحساس كل قلب .
.. أصبحت الرسائل تقل سنة بعد سنة وبعد خمس سنوات انقطعت أخبار عبد الرحمن ...
كانت الأم تسأل كل قادم من اليونان أو قبرص أو إيطاليا أو ألمانيا لأن الروايات تعددت حول مكانه
وهجرته , الأخبار تذكر إنه راح يهاجر من بلد إلى بلد كما يقال .
.. لازالت أم عبد الرحمن تحمل باكورتها وقد انحنى ظهرها، تقف على الطريق تراقب السيارات لعل عبد الرحمن ينزل من إحداها أمنيتها الوحيدة في الحياة أن ترى عبد الرحمن قبل وفاتها.
التف الجميع حول الأم التي تصارع الموت ومن رمق أخير وهي تنطق الشهادتين
- أحملكم أمانة يا أولاد إن عاد عبد الرحمن لا تدعوه يسافر.... وأمانة أخرى لا تدعوا أولادكم يهاجرون ، مشى جميع أهل القرية وراء نعش أم عبد الرحمن ... يرحمك الله يا أم عبد الرحمن
... ليت الأولاد يبقون صغارا ولا يهاجرون . هذه أسراب السنونو تعود كل عام وعبد الرحمن لم يعد . سيبقى عبد الرحمن في قلوب الجميع ....
أ / بركات لافي الساير العنزي
ليست هناك تعليقات