اخر الأخبار

حوارات وأفكار /قصة قصيرة

الكاتب القاص. بركات الساير العنزي من مجموعتي القصصية الثالثة ( حوارات وأفكار ) تحت الطباعة امرأة مقهورة ح١ ....بالرغم من كل مآسينا، كانت مدينتنا جميلة تنبسط على البحر المتوسط. ويحيط بضلعها الأيمن جبال شامخة . تحتضن المدينة احتضان الأم الحنون. وكثيرا ماتمتزج دموع الجبل مع دموع أمي المسكينة، فتكثر السيول في الأودية، حيث تكون مصدر خير لرعاة المدينة وأهلها ، وقد جعلوا من كثرة السيول سدودا صغيرة تكفيهم وقت الصيف، ويسقون منها أشجار الزيتون. وتتميز مدينة الطحالب بجمالها على كل المناطق الباقية . والدتي إنسانة بسيطة ،جميلة لها عينان زرقاوان يجملان محياها . وظفائر شعرها الشقراء ، شعرها الناعم ينسدل على كتفين متعبين، مثقلين بالهموم والأحزان .بشرتهالبيضاء تعكس كل ملامح جسدها الداخلي، وعندما تنظرإلى خدودها ،كأنك تنظرإلى مرآة وتنعكس عيوني في خدودها كلما قبلتها . ابتسامتها رصينة جذابة وكأنها مزخرفة . جسمها النحيف يساعدها على الرشاقةوالحركة والعمل من غير تعب . لقد كانت امرأة استثنائية في الحياة . لم أرمثلها في حياتي . كل ملامح جمالها تدل على طيبة نفسها . لم تعرف خبث النساء ، ولا كيدهن .هادئة الطباع لا تتحدث كثيرا . تخفي كل شيء في قلبها، يبدو أنها تقاتل الظلم بهدوئهاوسكونها تحارب القسوة بابتسامة مقهورة . - كم أنت جميلة يا أمي ،لو أعطيتني قليلا من جمالك . - من قال لك أنك قليلة الجمال ؟ لقد ورثت بياضي ياحنان . وشعري ، ولكنك لم تأخذي لون عيوني . وعيونك العسلية جميلة ياابنتي . - ولكن لو أعطيتني جزءا من صبرك . – لا أريدك أن تصبري على قهر، احسمي أمرك من أول حياتك ، حتى لا تقعي بما وقعت فيه . -لماذا يا أمي الصبر صفة محمودة . - نعم ياابنتي ولكن إذا كان الإنسان ضعيفا جبانا يسلب حقه ، وليس بيديه حيلة، يوصونه بالصبر وحسن التصرف و العقل وو ... -وهل كان صبرك يا أمي خوفا وجبنا؟ -اسمعي ياابنتي يستطيع الإنسان أن يحقق مسار حياته وكرامته من بداية عمره . -كيف يحدث ذلك يا أمي ؟ -إن قبل بالذل والضعف والصبر ، بقي ذلك الاختيار طوال عمره. فقد كشف الناس ضعفه فاستهانوا به . ولو أني واجهت أباك من بداية حياتي معه ، لفكر ألف مرة قبل أن يذلني ويظلمني . ....أمي قليلة الحظ مع أبي الذي يزداد في قهرها وظلمها، وهي ساكتة لاتتكلم ، ولا ترد على شتائمه وقسوته. والدتي فتحية من مدينة الشراقة. تزوجت والدتي من أبي ،وهومن مدينةالطحالب. يميل لونه إلى السمرة . خشن الجسم .لا يعرف الابتسامة في حياته . كل ملامحه تدل على قسوته. وكأنه وحش من وحوش العالم .اعذروني لهذا الوصف ، هذا ماعرفته عن أبي الذي لم يعرف الحنان في حياته . كان والدي في سلك الشرطة، وربما ورث القسوة من هذه المهنة التي أغلب أفرادها لايعرفون الأخلاق والرحمة، اعتادوا على القسوة والكلام البذيء من خلال معاملتهم مع الناس . وعندما أنظر إليه يثير شفقتي بالرغم من كراهيتي له .وأقول في نفسي إنه مسكين ، كان لديه فرصة أن يعيش حياته مستقرا في وسط أولاده وبناته وأسرته، ولكن حياة الشرطة علمته القسوة والغضب والانعزالية . من يعش حياته في سلطة ، يجد حياة مرة تكابده في حياته . لم يعرف والدي الاستقرار والحنان في حياته ، سافرإلى فرنسا وعمره خمسة عشر عاما ، اشتغل في فرنسا عاملا مدة عشر سنوات . وعاد إلى بلده بعد الغياب المتصل عن عائلته . دخل سلك الشرطة ، وكانت ثكنته في مدينة الشراقة. تعرف على والدتي وخطبها من أهلها ، ولكن جدي رفض ان يزوجه قائلا لقد تعلم القسوة في حياته ، ولن يكون الزوج الملائم لابنتي حليمة. ولكن جدتي أصرت على زواجه، وتزوج من أمي وانتقل بها إلى مدينة الطحالب .الحنان ينمو من وجود الوالدين ، ووجود الأسرة التي تكتنف الأسرة. فيتربى الإنسان في حضن حميم ، لقد فقد والدي هذا الحنان، ثم تربى في وسط جو الشرطة.

ليست هناك تعليقات